خطه منقذه لانهيار العمله أعدها الخبير الاقتصادي ورجل الأعمال محمود صالح “الفاخر”

آلية تعبئة احتياطي الذهب لكبح ارتفاع الدولار في السوق الموازي

الموضوع

| استخدام احتياطي الذهب كأداة تدخل سريعة لاستقرار سعر الصرف

الجهة المعنية

| البنك المركزي، وزارة المالية، الجهة المصدّرة للذهب، الجمارك ومكافحة التهريب، وحدة تحويلات المغتربين

طبيعة المذكرة

| عرض مشكلة، رؤية اقتصادية، ومقترح هيكل تنفيذي مرن

أولًا: عرض المشكلة

يتحرك السوق الموازي للعملة الأجنبية أساسًا بالتوقعات والمضاربة، أكثر من حركته بالعرض والطلب الحقيقيين على السلع والخدمات. نتيجة لذلك:

* أي تدخل بطيء أو معلَن مسبقًا يُمتص فورًا من قبل المضاربين قبل أن يُحدث أثره.

* الطلب على الدولار في جزء كبير منه طلب ‘ملاذ آمن’ وادخاري، لا طلب تجاري بحت.

* تهريب الذهب الخام إلى خارج القنوات الرسمية يحرم الدولة من عائد نقدي أجنبي كان يمكن أن يخفف الضغط على الطلب الموازي.

* الذهب، بحكم سيولته وسرعة تسييله، يمثل أداة قادرة على التأثير في معادلة العرض والطلب أسرع من أي إصلاح هيكلي طويل الأمد (كضبط عجز الموازنة أو تنمية الصادرات الرسمية). غير أنه مورد ناضب، وينبغي التعامل معه كأداة تهدئة مؤقتة لا كحل نهائي.

ثانيًا: الرؤية الاقتصادية

يقوم التصور على اعتبار الذهب ‘صمام ضغط’ يُدار عبر ثلاث قنوات متوازية ومتكاملة:

* حقن مباشر في نفس قنوات التسعير الموازي: بيع كميات محسوبة من احتياطي الذهب أو عبر شهادات ذهبية قابلة للاستبدال، لكسر سعر مرجعي محدد دون إعلان مواجهة صريحة قد تُحفّز مزيدًا من الاكتناز.

* قناة رسمية جاذبة للادخار: إطلاق شهادات ادخار أو حسابات مقوّمة بالذهب للمواطنين، لامتصاص الطلب الادخاري على الدولار وتحويله نحو أداة محلية بديلة.

* تشديد ضبط تصدير الذهب الخام غير الرسمي: كل أونصة تُهرَّب هي عملة صعبة تخرج من النظام الرسمي وتغذّي السوق الموازي بدل أن تدعمه.

ثالثًا: الهيكل المؤسسي المقترح

لتفادي بطء الإجراءات البيروقراطية التي تُفقد التدخل فعاليته، يُقترح إنشاء ‘غرفة عمليات الاستقرار النقدي’ كجسم تنفيذي مباشر لا استشاري، على النحو التالي:

* العضوية: البنك المركزي (رئاسة الغرفة)، وزارة المالية، الجهة المصدّرة للذهب (كشركة الفاخر)، جهاز الجمارك ومكافحة التهريب، ممثل عن الاستخبارات المالية لرصد المضاربة المنظمة، ومسؤول وحدة استيعاب تحويلات المغتربين (تفصيلها في القسم التالي).

* الصلاحية التنفيذية: تفويض مسبق يتيح اتخاذ قرار الضخ أو السحب خلال ساعات لا أسابيع، ضمن حدود (Thresholds) متفق عليها سلفًا، بحيث يتحرك الفريق تلقائيًا دون العودة لتوقيعات متسلسلة.

* غرفة رصد يومية لفارق السعر الرسمي عن الموازي، تُغذّي قرار التدخل ببيانات حية بدل ردود الفعل المتأخرة.

* سرية التوقيت والحجم: الإعلان عن وجود الآلية مقبول ومطلوب لبناء الثقة، لكن تفاصيل كل عملية تدخل (التوقيت والكمية) يجب أن تبقى غير متوقعة، وإلا تحوّلت الأداة نفسها إلى فرصة مضاربة جديدة.

رابعًا: وحدة استيعاب تحويلات المغتربين

رافد رئيسي آخر يغذّي السوق الموازي هو تحويلات المغتربين التي تتم خارج الجهاز المصرفي الرسمي عبر شبكات غير نظامية. هذه التحويلات ضخمة الحجم، وتصل غالبًا مباشرة إلى نفس القنوات التي تُسعَّر فيها العملة الموازية، ما يجعلها مصدر تغذية مستمر ومستقل عن أي تدخل حكومي. يُقترح استحداث وحدة متخصصة ضمن غرفة عمليات الاستقرار النقدي تتولى:

* تصميم قنوات تحويل رسمية بسعر صرف تنافسي قريب من السعر الموازي، ورسوم تحويل منخفضة وسرعة صرف فورية، بما يزيل أهم أسباب لجوء المغتربين للقنوات غير الرسمية أصلاً.

* شراكات مباشرة مع شركات تحويل الأموال العالمية ومزوّدي المحافظ الرقمية، لإتاحة الإيداع المباشر بالعملة المحلية أو عبر حسابات بالذهب لأسر المغتربين داخل البلاد.

* حزمة حوافز محددة زمنيًا (كخصم على رسوم الخدمات الحكومية أو أولوية في معاملات محددة) لتشجيع الانتقال التدريجي من الشبكات غير الرسمية إلى القناة الرسمية، دون فرض قيود قسرية قد تدفع التدفق للاختفاء الكامل عن الرقابة.

* رصد شهري لحجم التحويلات الرسمية مقارنة بالتقديرات غير الرسمية، لتغذية غرفة الرصد اليومي بمؤشر إضافي عن ضغط الطلب في السوق الموازي، ولمعايرة نموذج تقسيم التدفق الوارد لاحقًا في هذه المذكرة.

بقدر ما ينجح ضخ الذهب في تلبية جانب من الطلب، فإن تحويل هذا الرافد من مغذٍّ للسوق الموازي إلى مغذٍّ للقناة الرسمية يقلّص حجم السوق الموازي نفسه من جهة الطلب، وهو ما يجعل الأثر التراكمي للأداتين معًا أكبر من مجموع كل منهما منفردة.

خامسًا: اعتبارات لتعزيز استدامة الأداة

* تبلغ الأداة أعلى مستويات فعاليتها حين تُدار كجزء من حزمة أوسع تشمل ضبطًا تدريجيًا لعجز الموازنة وتنويعًا لمصادر النقد الأجنبي، بما يمدّد أثر كل تدخل ويقلل الحاجة لتكراره بوتيرة عالية.

* تأطير الآلية ضمن هيكل رسمي شفاف وقابل للمساءلة (كما هو مقترح هنا عبر غرفة عمليات الاستقرار النقدي) يرفعها من مستوى ‘إجراء استثنائي‘ إلى مستوى أداة سياسة نقدية معلنة ومنضبطة، ما يعزز ثقة السوق بها بدل التشكيك في طبيعتها.

* يفيد استحضار الرؤية التي تربط الاستقرار النقدي طويل المدى بضبط المعروض النقدي وبناء الثقة المؤسسية، لا كاعتراض على الأداة، بل كمكوّن مكمّل يرفع من قيمة كل دولار يُضخّ عبرها.

سادسًا: دروس من تجارب سابقة

يُستدعى في هذا السياق أكثر من حلقة تاريخية استخدمت منطقًا مشابهًا، مع التنبيه إلى أنها تجارب متمايزة زمنيًا ومؤسسيًا ولا ينبغي خلطها ببعضها:

* تجربة ضبط العملة والتضخم المرتبطة بوزير المالية الأسبق د. عبد الوهاب عثمان: في فترة سابقة اتسمت بانهيار حاد للعملة وتضخم ثلاثي الأرقام — وهي تجربة مؤسسية أوسع من الاعتماد على الذهب وحده.

* تدخل أواخر 2018: حين ساهم ضخ الذهب في تراجع ملحوظ لسعر الدولار الموازي (من مستويات قاربت 105 جنيهًا إلى نحو 55 جنيهًا، وهو ما كان يقارب حينها السعر الرسمي للبنك المركزي) — نموذج للفعالية السريعة عندما يكون التدخل مركّزًا وبلا منافسة على استخدام العائد.

* محاولة 2021: حين طُرحت الآلية ذاتها لكن اصطدمت بأولوية تغطية الاحتياجات الاستراتيجية من النقد الأجنبي (كالقمح والوقود والدواء)، ما أضعف الجرعة المخصصة لكبح السوق الموازي وأفقد التدخل زخمه.

الخلاصة المشتركة بين التجربتين الأخيرتين: نجاح الأداة لا يتوقف على توفر الذهب فحسب، بل على وجود قاعدة واضحة مسبقًا لتقسيم عائده بين الهدفين المتنافسين، بدل ترك القرار لتجاذب لحظي عند كل أزمة.

سابعًا: نموذج مقترح لتقسيم التدفق اليومي

بافتراض توفر إنتاج يومي يقارب 150 كيلوغرامًا من الذهب، وبأسعار السوق الحالية (نحو 4,500 دولار للأونصة، أي ما يقارب 145 ألف دولار للكيلوغرام)، فإن القيمة السوقية اليومية لهذا التدفق تُقدَّر بنحو 21 إلى 22 مليون دولار. يُقترح تقسيمها وفق قاعدة ثابتة معلنة مسبقًا بدل التنافس اللحظي:

* حصة أساسية غير قابلة للمساس (تُقترح بحدود 55–60% من القيمة اليومية): تُخصَّص تلقائيًا لتغطية الواردات الاستراتيجية (قمح، وقود، دواء)، بما يمنع تكرار إشكال 2021.

* حصة مرنة (الباقي، بحدود 40–45%): تُدار عبر غرفة عمليات الاستقرار النقدي وتُوجَّه للتدخل في السوق الموازي حسب حدة الفجوة السعرية اليومية، مع صلاحية رفعها مؤقتًا في حالات الطوارئ ضمن سقف زمني محدد (أيام لا أشهر) حتى لا تتحول ‘المرونة’ إلى استنزاف دائم للحصة الاستراتيجية.

* مراجعة دورية (شهرية على الأقل) للنسبتين بناءً على مؤشرين: فجوة السعر الرسمي/الموازي، ومستوى تغطية المخزون الاستراتيجي بالأشهر، بما يسمح بتعديل القاعدة دون التخلي عن مبدأ وجود قاعدة أصلاً.

هذا التقدير قائم على سعر ذهب لحظي متغير، ويُنصح بإعادة حسابه دوريًا لا اعتماده كرقم ثابت في أي وثيقة تنفيذية.

إعداد: مذكرة استشارية لأغراض النقاش الداخلي — تتطلب مراجعة الجهات الفنية المختصة قبل أي تنفيذ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *